السيد محمد حسين الطهراني
50
معرفة الإمام
لو وجّهت الماء إلى الزرع ، وأهملت تقسيمه على الألواح ، أيسقي الألواح كلّها من دون خلل ؟ ! أو إذا نثرت البذر في الأرض من دون مناسبة ، أيخرج الزرع بانتظام ، أو إذا جمعت قطعاً من خشب وواصلتها بمسامير ، أتكون كرسيّاً أو باباً من دون تنسيق ؟ ! الحكمة الإلهيّة من عدم تعقّل الطفل حين الولادة ثمّ قال عليه السلام : ولو كان المولود يولد فهماً عاقلًا لأنكر العالم عند ولادته ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف ، وورد عليه ما لم يَرَ مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم ، واعتبر ذلك بأنّ من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلّم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي يُسبى صغيراً غير عاقل . ثمّ لو ولد عاقلًا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولًا مرضعاً معصّباً بالخرق مسجّى في المهد ، لأنّه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه ورطوبته حين يولد . ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل . فصار يخرج إلى الدنيا غبيّاً غافلًا عمّا فيه أهله فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة . ثمّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلًا قليلًا وشيئاً بعد شيء وحالًا بعد حال ، حتى يألف الأشياء ويتمرّن ويستمرّ عليها ، فيخرج من حدّ التأمّل لها والحيرة فيها إلى التصرّف والاضطراب في المعاش بعقله وحيلته ، وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية . وفي هذا أيضاً وجوه أخر . فإنّه لو كان يولد تامّ العقل مستقلًّا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد ، وما قدّر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة ، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافاة بالبرّ والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم . ثمّ كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم ، لأنّ الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء